محمد بن جرير الطبري
200
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تقديمه قبله ، وذلك أن الاستفهام لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام ، كما قال الشاعر : ألا تسألان المرء ماذا يحاول * أنحب فيقتضي أم ضلال وباطل وكما قال الآخر : وقالوا تعرفها المنازل من منى * وما كل من يغشى منى أنا عارف فرفع وكل ولم ينصبه بعارف . إن كان معنى قوله : " وما كان من يغشى منى أنا عارف " جحود معرفه من يغشى مني ، فصار في معنى ما أحد . وهذه الآية نزلت فيما ذكر قبل أن يفرض الله زكاة الأَموال . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ قال : يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة ، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم ؟ فنزلت : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فذلك النفقة في التطوع والزكاة سوى ذلك كله . قال : وقال مجاهد : سألوا فأفتاهم في ذلك ما أنفقتم من خير للوالدين والأَقربين وما ذكر معهما . حدثنا محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، قال : ثني عيسى ، قال : سمعت ابن أبي نجيح في قول الله : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قال : سألوه فأفتاهم في ذلك فللوالدين والأَقربين وما ذكر معهما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وسألته عن قوله : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ قال : هذا من النوافل ، قال : يقول : هم أحق بفضلك من غيرهم . وهذا الذي قاله السدي من أنه لم يكن يوم نزلت هذه الآية زكاة ، وإنما كانت نفقة ينفقها الرجل على أهله ، وصدقه يتصدق بها ، ثم نسختها الزكاة ، قول ممكن أن يكون ، كما قال : وممكن غيره . ولا دلالة في الآية على صحة ما قال ، لأَنه ممكن أن يكون قوله : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الآية ، حثا من الله جل ثناؤه على الإِنفاق على من كانت نفقته غير واجبة من الآباء والأمهات والأَقرباء ، ومن سمي معهم في هذه الآية ، وتعريفا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات ، كما قال في الآية الأَخرى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وهذا القول الذي قلناه في قول ابن جريج الذي حكيناه قال : هذا من النوافل . وقد بينا معنى المسكنة ، ومعنى ابن السبيل فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني بذلك جل ثناؤه : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ فرض عليكم القتال ، يعني قتال المشركين ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ واختلف أهل العلم في الذين عنوا بفرض القتال ، فقال بعضهم : عنى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء قلت له : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أواجب الغزو على الناس من أجلها ؟ قال : لا ، كتب على أولئك حينئذ . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا خالد ، عن حسين بن قيس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ قال نسختهما قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وهذا قال نسختهما قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا قول لا معنى له ، لأَن نسخ الأَحكام من قبل الله جل وعز لا من قبل العباد ، وقوله : قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا خبر من الله عن عباده المؤمنين وأنهم قالوه لا نسخ منه . حدثني محمد بن إسحاق ، قال : ثنا معاوية بن عمرو ، قال : ثنا أبو إسحاق الفزاري ، قال : سألت الأَوزاعي عن قول الله عز وجل : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أواجب الغزو على الناس كلهم ؟ قال : لا أعلمه ، ولكن لا ينبغي للأَئمة والعامة تركه ، فأما الرجل في خاصة نفسه فلا . وقال آخرون : هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية ، فيسقط فرض ذلك حينئذ عن باقي المسلمين كالصلاة على الجنائز وغسلهم الموتى ودفنهم ، وعلى هذا قال آخرون : هو على كل واحد حتى يقوم به من في قيامه الكفاية عامة علماء المسلمين وذلك هو الصواب عندنا لإِجماع الحجة على ذلك ، ولقول الله عز وجل : فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى فأخبر جل ثناؤه أن الفضل للمجاهدين ، وإن لهم